ليس من الديمقراطية أن تتحول المنابر إلى ساحات للشتيمة والتجريح/ نور الدين سيد عالي فرانسوا

إن حرية التعبير، في كل الأنظمة الديمقراطية المحترمة، حق أصيل ومكفول، والنقد السياسي حق مشروع بل وضروري، لأنه يساهم في تقويم الأداء، وتعزيز الرقابة، وإثراء النقاش العمومي. لكن هذه الحرية لا يمكن، تحت أي مبرر، أن تتحول إلى غطاء للشتيمة، ولا إلى رخصة للتجريح، ولا إلى منصة للكلام النابي والبذيء في حق رئيس الجمهورية أو مؤسسات الدولة ورموزها.
فالديمقراطية لا تعني الفوضى، وحرية الرأي لا تعني السقوط في مستنقع الإهانة، والعمل السياسي لا يعني أبدًا الانحدار إلى خطاب سوقي هابط، يتجاوز النقد المسؤول إلى المساس المتعمد بالكرامة والهيبة والاعتبار. إن هناك فرقًا شاسعًا بين من يعارض بالحجة، ومن يشتم باللفظ الجارح، وبين من ينتقد أداءً أو قرارًا، ومن يتعمد الإهانة والتحقير والتجريح الشخصي.
إن رئيس الجمهورية ليس شخصًا عاديًا في الحياة العامة، بل هو رمز الدولة، وضامن مؤسساتها، والمجسد لسيادتها ووحدتها واستمراريتها. ولذلك فإن التطاول عليه، أو استعمال عبارات نابية في حقه، أو النيل من مقامه الدستوري، لا يمكن أن يُقدَّم على أنه رأي سياسي، ولا يمكن أن يُسوَّق على أنه ممارسة ديمقراطية، بل هو انحراف خطير في الخطاب، وسلوك مرفوض سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا.
وفي كل البرلمانات الجادة، لا تُفهم الحصانة على أنها صك مفتوح للسباب أو القذف أو التهجم اللفظي. فالحصانة البرلمانية إنما شرعت لحماية الرأي أثناء أداء المهمة النيابية، لا لحماية الانفلات، ولا لتبرير الإسفاف، ولا لمنح أي نائب حق التطاول على مقامات الدولة أو امتهان حرمة المؤسسات. ولهذا، فإن البرلماني الذي يتجاوز حدود اللياقة والاحترام داخل البرلمان قد يتعرض لعقوبات تأديبية صارمة، أما إذا صدر عنه الشتم أو التجريح أو الكلام النابي خارج البرلمان، فإنه يصبح خاضعًا بشكل كامل للقانون العام، شأنه شأن أي مواطن آخر، دون أن تكون الحصانة مظلة تحميه من تبعات ما قال.
وفي موريتانيا، كما في سائر الدول التي تحترم مؤسساتها، فإن صيانة مقام رئيس الجمهورية ليست مسألة مجاملة ولا ترفًا بروتوكوليًا، بل هي جزء من صيانة الدولة نفسها، ومن حماية هيبتها، ومن احترام الشرعية الدستورية. ومن هنا، فإن كل من يتعمد الإساءة اللفظية، أو يستعمل السباب، أو يلجأ إلى الكلام النابي في حق رئيس الجمهورية، خاصة خارج الأطر القانونية والنيابية، يضع نفسه في مواجهة تبعات سياسية وقانونية وتأديبية جسيمة، لأن القانون لا يحمي الإهانة، ولا يمنح أحدًا امتياز الإفساد الأخلاقي للفضاء العام.
إننا اليوم بحاجة إلى خطاب سياسي قوي، نعم، ولكن قوي في منطقه، قوي في حجته، قوي في احترامه للدولة، لا قوي في الشتيمة والانفلات والتجريح. فالأمم لا تُبنى بالسباب، ولا تُدار بالبذاءة، ولا تُحمى مؤسساتها بالسكوت على الإهانة. ومن يعتقد أن الإساءة إلى رئيس الجمهورية بطولة سياسية، فهو واهم؛ لأن البطولة الحقيقية هي في قوة الفكرة، ورجاحة الموقف، ونبل العبارة، واحترام المقامات الدستورية.
وعليه، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي وضع حد واضح وفاصل بين النقد المشروع والإهانة المجرّمة، وبين حرية التعبير والانحراف اللفظي، وبين المعارضة المسؤولة والخطاب الساقط. فليس من حق أحد، مهما كان موقعه السياسي أو النيابي أو الإعلامي، أن يحوّل الفضاء العمومي إلى ساحة سباب، أو أن يعتدي بالكلام النابي على مقام الرئاسة تحت ستار الحرية أو المعارضة.
إن من يشتم رئيس الجمهورية، أو يجرّح، أو يستعمل ألفاظًا نابية في حقه، خاصة خارج البرلمان، لا يمارس حقًا ديمقراطيًا، بل يرتكب سلوكًا خطيرًا قد تترتب عليه إجراءات صارمة، لأن هيبة الدولة ليست مباحة، ومقام الرئاسة ليس مشاعًا للابتذال، والقانون لا يحمي الوقاحة مهما كان مصدرها. نور الدين سيدي عالي افرانسوا فدرالي نواكشوط الغربية لحزب الإنصاف

شاهد أيضاً

كيهيدي: فريق ثيالي دياخا يفوز بنهائي دورة كرة القدم داخل الصالات الخاصة برمضان

كيهيدي | السبت 04 أبريل 2026 أسدل الستار على نهائي دورة كرة القدم داخل الصالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *