ابراهيم فال محمد فال امبارك يكتب عن رحيل الحقوقي بوبكر ولد مسعود

كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت، وإنما توفَّون أجوركم يوم القيامة.”

برحيل القامة الوطنية والإنسانية بوبكر ولد مسعود يترجّل عن مسرح الحياة رجلٌ استثنائي، عاش بين الناس كبيرًا بمواقفه، هادئًا في حضوره، عميق الأثر في مسيرته. رحل في صمت النبلاء الذين يؤدّون الأمانة كاملة ثم يمضون دون ضجيج، تاركين خلفهم سيرةً تُروى وذاكرةً وطنيةً عصيّة على النسيان.
لقد كان الراحل، رحمه الله، نموذجًا للرجل الذي جمع بين الكفاءة المهنية والالتزام الإنساني. فقد شقّ طريقه في مجال الهندسة المعمارية، فكان من أبناء هذا الوطن الذين أسهموا بعلمهم في بناء العمران وصياغة ملامح المدينة. وتولّى إدارة شركة SOCOGIM، حيث جسّد في عمله روح المسؤولية والجدية، ثم واصل عطاءه مستشارًا في وزارة الإسكان، مسخرًا خبرته وتجربته لخدمة قضايا السكن والتنمية.
غير أن مسيرة الفقيد لم تكن مجرد مسار وظيفي ناجح فحسب، بل كانت قبل ذلك وبعده مسيرة إنسان آمن بأن للعدالة ثمنًا، وأن الكرامة الإنسانية لا تقبل المساومة. فبعد سنوات من العطاء في مواقع المسؤولية، اختار أن يكرّس جهده للنضال الحقوقي، مؤمنًا بأن خدمة الإنسان هي أسمى صور خدمة الوطن.
قاد الراحل نضالًا صريحًا ضد العبودية في موريتانيا، لكنه كان نضالًا حكيمًا ومتزنًا، لم يُوجَّه يومًا ضد أي شريحة من مكونات المجتمع، بل ظل صوتًا للحق والعدالة في مواجهة كل من يخالف القانون وينتقص من كرامة الإنسان. كان يؤمن بأن الدفاع عن المظلوم لا يكون بإثارة الأحقاد، بل بترسيخ قيم الإنصاف والعدل داخل مجتمعٍ متماسك يجمعه تاريخ واحد ومصير واحد.
ولم يكن هذا الطريق سهلًا؛ فقد عرف الفقيد السجن أكثر من مرة، لكنه خرج منه أكثر صلابة في الموقف، وأعمق إيمانًا بضرورة الحفاظ على وحدة هذا الشعب وتماسكه. ظل يؤكد في كل مواقفه أن الإصلاح الحقيقي لا يُبنى على الانقسام، بل على العدالة التي تصون كرامة الجميع.
وكان من المؤسسين الأوائل لحركة الحر، التي تبنّت نضالًا حقوقيًا معتدلًا يسعى إلى خدمة العبيد والعبيد السابقين، في إطار يحفظ السلم الاجتماعي ويعزز قيم المواطنة المتساوية. وهكذا ظل بوبكر ولد مسعود صوتًا عاقلًا في معركة الحقوق، يجمع بين الشجاعة في الدفاع عن المظلوم والحكمة في الحفاظ على تماسك المجتمع.
واليوم يُوارى جثمانه الثرى في مقبرة الطلحاية “اعليب القضاة” بمدينة روصو، غير بعيدٍ من مسقط رأسه في مزرعة تويكندي، وكأن الأرض التي شهدت بدايات رحلته تحتضنه في ختامها، في مشهدٍ تختلط فيه مرارة الفقد بطمأنينة العودة إلى الله.و برحيل العم أبوبكر بن مسعود بن السالم أودع فيه الناصح الأمين و المؤطر المعين الذي لم يبخل علي يوما بالتوجيه و الإرشاد و قد أسلمت له القياد و كنت به منتديات،و بفكره مستنيا و مسترشدا و إني أشهد له كما جميع الأهل و الأقارب و المعارف و الجيران بالبرور و الاستقامة و شهود الجماعات .
إنها لحظة حزنٍ لا تخص أسرته وحدها، بل تمتد إلى كل الموريتانيين الذين عرفوا فيه رجلًا صادقًا في مواقفه، ثابتًا على مبادئه، مؤمنًا بأن الوطن يتسع للجميع.
و بهذه المناسبة الأليمة أتقدم بأصدق مشاعر التعزية و المواساة إلى الشعب الموريتاني و إلى فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد بن الشيخ الغزواني و إلى الحكومة و كل القوى الحية و إلى أسرة الفقيد الكريمة و إلى أصدقائه و كل من عرفه و رافقه في دروب النضال وغرف العمل .
لقد فقدنا رجلا كبيرا في حضوره و أخلاقه و مواقفه غير أن العزاء في أن أمثال بوبكر بن مسعود لا يرحلون حقا فهم يخلفون وراءهم أثرا نبيلا و سيرة مضيئة تبقى حية في وجدان الوطن و الأجيال القادمة و لنا في رسول الله صلى الله عليه و سلم خير عزاء .
فحسبنا في العزاء ما قاله السلف ”حسبنا في العزاء أن مات رسول الله صلى الله عليه و سلم ”
رحم الله الفقيد رحمة واسعة و أسكنه فسيح جناته ،وألهمنا وأهله و ذويه الصبر و السلوان، و إنا لله و إنا إليه راجعون .

ابراهيم فال محمد فال امبارك
روصو

شاهد أيضاً

أسرة أهل الشيخ آياه… مسار الإصلاح الاجتماعي والتصدر السياسي

تُعدّ أسرة أهل الشيخ آياه واحدة من أبرز الأسر ذات الحضور الديني والاجتماعي في موريتانيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *